تخطَّ إلى المحتوى
إسنادISNAD
الذكاء الاصطناعي والإنسان

من يكتب لنا؟

العربية أقل من ١٪ من بيانات الويب وأكثر من ٤٠٠ مليون متحدث. ماذا يعني ذلك للنماذج التي تجيبنا؟

نُشر 7 دقائق قراءة

العربية في زمن النماذج اللغوية

يتحدث العربية أكثر من ٤٠٠ مليون إنسان يومياً، وفق اليونسكو والأمم المتحدة. وهذه هي حصّتها من العالم الذي تتعلّم منه الآلات:

  • ٠٫٦٪ من مواقع الويب التي تُعرف لغتها (بحسب W3Techs، سبتمبر ٢٠٢٦) — مقابل ٤٩٫٥٪ للإنجليزية.
  • ٠٫٦٧٪ من الصفحات في أحدث أرشيف لمشروع Common Crawl الذي يزحف على الويب — مقابل ٤٠٫٤٪ للإنجليزية.
  • ١٫١٠٪ من الرموز اللغوية (tokens) في CulturaX، وهو من أكبر مجموعات بيانات التدريب المفتوحة متعددة اللغات — مقابل ٤٥٫١٪ للإنجليزية. أي أن الإنجليزية فيه تعادل واحداً وأربعين ضعف العربية.

هذه ثلاثة مقاييس مختلفة لأشياء مختلفة، ويكثر الخلط بينها. لكن الصورة التي ترسمها واحدة: لغة يتكلمها خُمس مليار إنسان، وحصّتها من ذاكرة الآلة أقل من واحد بالمئة.

ولا أحد يعرف حصّة العربية في بيانات تدريب النماذج الكبرى — GPT وClaude وGemini — لأن أياً من هذه الشركات لا تنشر تركيب بياناتها. أي رقم تقرأينه عن ذلك غير مُسنَد.

ضريبة التقطيع

قبل أن يقرأ النموذج نصّك، يقطّعه إلى وحدات صغيرة تُسمّى «الرموز» (tokens). وهذه الوحدات هي وحدة الحساب: بها يُقاس ثمن ما تدفعينه، وبها يُقاس طول النص الذي يستوعبه النموذج، وبها يُقاس زمن الاستجابة.

في ورقة قُدّمت في مؤتمر NeurIPS عام ٢٠٢٣، قاس باحثون من جامعة أكسفورد هذا الفرق بين اللغات. النتيجة للعربية: مقطّع نماذج GPT يحتاج إلى نحو ثلاثة أضعاف الرموز لترميز النص نفسه مقارنة بالإنجليزية.

ماذا يعني هذا عملياً؟ أن النص العربي نفسه أغلى ثمناً، وأبطأ استجابة، ويستهلك ثلاثة أضعاف مساحة السياق — فيتّسع النموذج لثلث ما يتّسع له بالإنجليزية.

وفي ورقة موازية في مؤتمر EMNLP، صاغ الباحثون الخلاصة بجملة قاسية ودقيقة:

«المتحدثون بعدد كبير من اللغات المدعومة يُحمَّلون تكلفة أعلى بينما يحصلون على نتائج أسوأ. وهؤلاء غالباً من مناطق تكون فيها هذه الخدمات أقلّ قدرة على تحمّل تكلفتها أصلاً».

اعتراف داخل ورقة «جيس»

نموذج Jais الذي أطلقته الإمارات عام ٢٠٢٣ كان من أوائل النماذج العربية الطموحة. وفي ورقته التقنية جملة تختصر المعضلة كلها:

«مقارنةً بالإنجليزية، التي تتوفر لها مدوّنات نصية تصل إلى تريليونَي رمز، فإن المدوّنات العربية أصغر بكثير».

ولهذا السبب دُرّب النموذج «العربي» على ٢٣٢ مليار رمز إنجليزي مقابل ١١٦ مليار رمز عربي — أي ضعف الإنجليزية على العربية. لم يكن ذلك خياراً جمالياً، بل ضرورة: وجد الباحثون أن الخلط بنسبة ١:٢ يعطي نتائج أفضل من التدريب على العربية وحدها. النموذج العربي يتعلّم العربية من خلال الإنجليزية، لأن العربية وحدها لا تكفي.

واللهجات؟

المشكلة تتضاعف حين نغادر الفصحى. في دراسة أجراها باحثون من IBM وجامعة نيويورك أبوظبي وجامعة محمد بن زايد، تُرجمت ثلاثة آلاف سؤال يدوياً إلى خمس لهجات — سورية ومصرية وإماراتية وسعودية ومغربية — واختُبر عليها ١٩ نموذجاً مفتوحاً:

  • المعدل بالفصحى: ٥١٫٩٪
  • المعدل باللهجات: ٤٧٫٧٪
  • الأدنى: المغربية ٤٥٫٠٪

وفي تقييم مستقل لنموذج ALLaM السعودي عبر واجهته العامة، حصل النموذج على ٤٫٧٤ من ٥ في الفصحى — و٢٫٧٣ في الشامية. يميل النموذج، حين تشحّ البيانات اللهجية، إلى الردّ بالفصحى أو بأسلوب هجين.

ولنكن منصفين: هذا التقييم صغير الحجم (٢٣ سؤالاً × ٥ محاولات)، وأجراه مجتمع بحثي واحد، وحكّمته نماذج لا بشر. أذكره لأن البدائل أسوأ: كل المقارنات المتاحة بين النماذج العربية الكبرى — Jais وALLaM وFanar القطري وFalcon Arabic الإماراتي — منشورة من الجهات المطوّرة نفسها. لم أجد مقارنة مستقلة محايدة تضعها في مواجهة بعضها. وهذه فجوة تستحق أن تُذكر بصراحة أكثر مما تُذكر.

الأخطر: التحيّز الثقافي

هنا يقع أهم بحث في هذا الملف. ورقة بعنوان ساخر — «بيرة بعد الصلاة؟» — نالت جائزة أفضل ورقة ذات أثر اجتماعي في مؤتمر ACL عام ٢٠٢٤.

بنى الباحثون مجموعة اختبار من ٦٢٨ سياقاً طبيعياً و٢٠٬٣٦٨ كياناً ثقافياً (أسماء، أطعمة، أماكن، مناسبات) تقابل بين الثقافة العربية والغربية، واختبروا ١٦ نموذجاً. النتيجة:

  • حتى حين يكون السؤال بالعربية وفي سياق عربي صريح، مالت النماذج إلى الكيانات الغربية في ٤٠٪ إلى ٦٥٪ من الحالات.
  • وهذا يشمل النماذج العربية أحادية اللغة أيضاً — لا الأجنبية فقط.
  • في توليد القصص، تكرّر وصف الشخصيات ذات الأسماء العربية بأنها «وُلدت في أسرة فقيرة متواضعة».
  • وفي التعرّف على الكيانات، بلغ الفارق ٢٠ نقطة لصالح الكيانات الغربية.

والاستنتاج الذي ختموا به يستحق التأمل: «المصادر الشائعة مثل ويكيبيديا قد لا تصلح لبناء نماذج واعية ثقافياً إن استُخدمت كما هي دون تعديل».

ولهذا سياق رقمي: ويكيبيديا العربية فيها نحو ١٫٣٣ مليون مقال مقابل ٧٫٢٣ مليون في الإنجليزية (أغسطس ٢٠٢٦). والأدهى في النشر العلمي: تقدّر دراسة منشورة عام ٢٠٢٥ أن المجلات العلمية الناطقة بالعربية في قاعدة Scopus — من أصل أكثر من ٢٩ ألف مجلة — لا تتجاوز خمس مجلات، إضافة إلى سبع عشرة مجلة ثنائية اللغة.

الآلة لا تخترع تحيّزها. إنها تعكس بأمانة مؤلمة ما كتبناه — وما لم نكتبه.

وهناك بُعد سلامة أيضاً

في دراسة أجراها باحثون من جامعة محمد بن زايد وجامعة ملبورن، بُنيت مجموعة اختبار من ٥٧٩٩ سؤالاً موطّنة في سياق المنطقة العربية، واختُبرت عليها خمسة نماذج. النتيجة: أنتجت النماذج ردوداً ضارّة بنسبة ٢٥٪ إلى ٥٦٪ في السياق العربي، مقابل أقل من ٤٪ في السياقين الإنجليزي والصيني.

الأسئلة العربية هنا مكيَّفة مع سياق المنطقة لا مترجمة حرفياً، فالنتيجة تقيس هشاشة النموذج في السياق العربي لا في اللغة العربية وحدها. لكن المعنى العملي واحد: طبقات الحماية التي بُنيت واختُبرت بالإنجليزية أرقّ بكثير حين تصل إلينا.

ماذا نفعل؟

هذا ليس مقال شكوى. الفجوة في العربية فجوة عرض قبل أن تكون فجوة تقنية، وهذا يعني أنها قابلة للسدّ بأيدينا:

النماذج تتعلّم مما نكتب. كل مقال عربي جيد، وكل توثيق تقني بالعربية، وكل مادة تعليمية منشورة بلا حجب — كل ذلك يدخل، بعد سنوات، في ذاكرة الجيل القادم من النماذج. الفجوة التي نشكو منها اليوم صنعها صمتنا الرقمي قبل عشرين سنة.

والعمل الجماعي مُجدٍ. مشروع Palm الذي قُدّم في مؤتمر ACL عام ٢٠٢٥ بناه ٤٤ باحثاً من الدول العربية على مدى سنة كاملة، ليغطي الاثنتين والعشرين دولة بالفصحى واللهجات في عشرين موضوعاً. ونتيجته تكشف الفجوة الداخلية أيضاً: بعض البلدان (مصر والإمارات) أفضل تمثيلاً بكثير من غيرها (العراق وموريتانيا واليمن).

السؤال في عنوان هذا المقال ليس بلاغياً. من يكتب لنا؟ الجواب اليوم: من كتب على الإنترنت بالإنجليزية. والجواب بعد عشر سنوات يُكتب الآن.


الأسئلة الشائعة

ما حصّة العربية في بيانات تدريب GPT وClaude وGemini؟

لا أحد يعرف. لا تنشر أيٌّ من هذه الشركات تركيب بياناتها، فأي رقم يُتداول عن ذلك غير مُسنَد. الأرقام المذكورة هنا تخصّ الويب ومدوّنات تدريب مفتوحة، لا النماذج المغلقة.

لماذا يكلّف النص العربي أكثر من الإنجليزي؟

لأن الرموز هي وحدة الحساب: بها يُقاس الثمن وطول السياق وزمن الاستجابة. وقياس منشور وجد أن مقطّع نماذج GPT يحتاج نحو ثلاثة أضعاف الرموز للنص العربي نفسه.

هل النماذج العربية أفضل في اللهجات؟

الفجوة قائمة فيها أيضًا. في اختبار على ١٩ نموذجًا مفتوحًا، نزل المعدّل من ٥١٫٩٪ بالفصحى إلى ٤٧٫٧٪ باللهجات، وأدناها المغربية. والمشكلة الأوسع أن أغلب المقارنات المتاحة منشورة من الجهات المطوّرة نفسها.

المراجع

  1. اليونسكو والأمم المتحدة — اليوم العالمي للغة العربية (أكثر من ٤٠٠ مليون متحدث). unesco.org
  2. W3Techs — Usage statistics of content languages for websites (سبتمبر ٢٠٢٦). w3techs.com
  3. Common Crawl — إحصاءات اللغات، أرشيف CC-MAIN-2026-34. commoncrawl.github.io
  4. Nguyen, T. et al. — CulturaX (٦٫٣ تريليون رمز، ١٦٧ لغة). huggingface.co · arxiv.org
  5. Petrov, A. et al. — Language Model Tokenizers Introduce Unfairness Between Languages, NeurIPS 2023. arxiv.org
  6. Ahia, O. et al. — Do All Languages Cost the Same?, EMNLP 2023. aclanthology.org
  7. Sengupta, N. et al. — Jais and Jais-chat (التقرير التقني، Inception + MBZUAI + Cerebras). arxiv.org
  8. Altakrori, M., Habash, N., Freihat, A. et al. — DialectalArabicMMLU (مسودة على arXiv). arxiv.org
  9. Nacar, O. — تقييم مجتمعي لنموذج ALLaM عبر واجهة HUMAIN Chat (مسودة، عيّنة صغيرة، تحكيم آلي). arxiv.org
  10. Naous, T., Ryan, M. J., Ritter, A., & Xu, W. — Having Beer after Prayer? Measuring Cultural Bias in Large Language Models, ACL 2024 (أفضل ورقة ذات أثر اجتماعي). aclanthology.org
  11. Ashraf, Y. et al. — تقييم سلامة النماذج في السياق العربي (٥٧٩٩ سؤالاً). arxiv.org
  12. Alwajih, F. et al. — Palm: A Culturally Inclusive Arabic Instruction Dataset, ACL 2025. aclanthology.org
  13. ويكيبيديا — List of Wikipedias (أغسطس ٢٠٢٦). en.wikipedia.org
  14. Habash — فصل منشور لدى Springer عن المجلات العلمية الناطقة بالعربية (٢٠٢٥). link.springer.com

تنبيه منهجي: نِسب «حصة العربية» الثلاث في مطلع المقال تقيس أشياء مختلفة (مواقع، صفحات مزحوفة، رموز في مدوّنة تدريب مفتوحة) وليست بديلاً بعضها عن بعض. ولا تُنشر تركيبة بيانات النماذج الكبرى المغلقة، فلا يوجد رقم موثوق لحصة العربية فيها.

اقرأ بعده

غلاف مقال: حين يصبح اثنان أضعف من واحد
الإنسان7 دقائق قراءة

حين يصبح اثنان أضعف من واحد

أكبر تحليل بَعدي حتى اليوم وجد أن دمج الإنسان بالذكاء الاصطناعي غالبًا أسوأ من أفضل الطرفين منفردًا. فمتى ينجح التعاون فعلًا؟

اقرأ المقال
غلاف مقال: «من قال هذا؟»
الإنسان9 دقائق قراءة

«من قال هذا؟»

لماذا تهلوس النماذج اللغوية، ولماذا لا تحلّ أدوات البحث «التي تستشهد» المشكلة، وكيف يتحقّق القارئ العادي بستّ قواعد.

اقرأ المقال

نشرة إسناد الأسبوعية

ثلاثة أشياء مفيدة كل أسبوع: ورقة بحثية مشروحة، قياس عملي، وخطأ شائع رأيناه في الإنتاج. بلا حشو وبلا رعايات مخفية.

النشرة البريدية لم تُفتَح بعد. حتى ذلك الحين، تصلك المقالات كاملةً عبر تغذية RSS.